لماذا أرفض التعديلات الدستورية؟

لماذا أرفض التعديلات الدستورية؟

هناك أكثر من سبب يدعونى لرفض التعديلات الدستورية المقترحة حاليا و لكننى أرغب أن أسلط الضوء بشكل تفصيلى على أهم هذه الأسباب فى رأيى الشخصى..

 

التعديلات الدستورية ترسم خارطة طريق لوضع دستور جديد للبلاد و رغم أن هذا من حيث المبدأ يبدو إيجابيا و هو ما يمكن لكثيرين أن ينخدعوا به إلا أن السبيل الذى تحدده التعديلات لوضع الدستور الجديد مناقض تماما للأصول الديموقراطية لكتابة دستور يؤسس لحياة ديموقراطية سليمة..

 

توكل التعديلات إلى مجلسى الشعب و الشورى المنتخبين فى أول إنتخابات لاحقة بإقرار التعديلات مهمة إختيار لجنة مكونة من مائة عضو تقوم بوضع الدستور الجديد .. و لا تنظم التعديلات بأى شكل طبيعة اللجنة المفترض إختيارها و لا توضح حتى إن كان ينبغى إختيارهم من بين أعضاء المجلسين أم لاو بالتالى فالأمر متروك بالكامل لما يتفق عليه أغلبية أعضاء المجلسين.

 

البعض يجد أن المشكلة تكمن هنا فى أن الإنتخابات البرلمانية المتعجلة فى خلال شهرين فقط من إقرار التعديلات قد تأتى ببرلمان لا يعبر عن التوازن النسبى الحقيقى للقوى السياسية فى الساحة خاصة و أن معظمها يفتقر إلى أدوات التعامل مع العملية الإنتخابية .. و رغم أن هذا صحيح و مصدر قلق إلا أن ماهو أهم من ذلك أنه يغيب عن النقاش إلى حد كبير حقيقة أن الجمعية التأسيسية التى ينبغى أن تقوم بوضع دستور جديد للبلاد تختلف إختلافا جذريا عن البرلمان الممثل للتوازنات السياسية.

 

إختلاف الجمعية التأسيسية عن البرلمان ينبع أساسا من إختلاف مهمة كل منهما .. فالبرلمان دوره تشريعى و رقابى و يعبر عن توجه سياسى إختاره غالبية الشعب لقيادة البلاد لفترة محددة مع إمكان تبدل الإختيار الشعبى لهذا التوجه مع نهاية هذه الفترة .. فى المقابل الجمعية التأسيسية تنتخب من الشعب لأداء مهمة محددة واحدة و هى كتابة دستور هو عقد إجتماعى يرسم طبيعة الدولة و حقوق مواطنيها و طبيعة السلطات الحاكمة و علاقة كل منها بالأخرى إلخ .. و حيث أن أى عقد هو بطبيعته توافقى و لا يمكن لأى طرف فيه أن يفرض إرادته على الأطراف الأخرى فإنه لا يجوز تغييب أى طرف محتمل عن كتابة العقد أو الموافقة على بنوده.

 

هذه الحقيقة الهامة هى ما يحكم طريقة إنتخاب أى جمعية تأسيسية و طريقة عملها و أسلوب التوصل إلى قراراتها .. فهى لابد أولا و قبل أى شيئ أن تعبر عن كافة فئات المجتمع الذى ستكتب دستورا جديدا لدولته ..و هذا يستدعى أمرين:

 

1 – إنتخاب الجمعية التأسيسية لا يتم بنظام الإنتخاب الفردى بل بإنتخاب قائمة موحدة يتم فيها تمثيل كل طائفة و فئة فى المجتمع بنسبتها العددية ..

 

2 – قرارات الجمعية التأسيسية لا تتم بغالبية أعضائها مباشرة بل تشترط تمثيل كل الفئات و الطوائف فى الأغلبية بنسبها أيضا..

 

و دون الدخول فى المزيد من التفاصيل فإن التعديلات الدستورية و بينما ترسم طريقا لكتابة دستور جديد فإنها قد وقعت فى خطأين فادحين:

 

1 – حرمت الشعب من أن ينتخب بشكل مباشر الجمعية التأسيسية التى ستكتب دستورا دائما يكون حاكما لتفاصيل حياته لفترة غير محددة من تاريخه.

 

2 – لم تضع أى شروط لطريقة إختيار الجمعية التأسيسية أو لطريقة عملها تضمن أن يكون الدستور الذى ستكتبه عقدا توافقيا معبرا عن كافة طوائف و فئات الشعب و هى بذلك تهدر حقوق كل الأقليات العددية داخل البرلمان علما بأن هذا البرلمان تحديدا قد يحتوى أقليات عددية تمثل أغلبية فى الشارع!

 

هذا فى إعتقادى الشخصى هو أهم دوافعى لرفض التعديلات الدستورية المقترحة فأنا أجد من الضرورى لمصر فى هذه الفرصة التاريخية أن تحظى بدستور حقيقى يليق بثورة شعبية شارك فيها جميع طوائف الشعب و فئاته و من ثم فمن حقهم جميعا أن يشاركوا فى كتابة دستورهم الجديد من خلال من يمثلهم تمثيلا صحيحا.

 

يتركنا هذا مع سؤال هام و هو ماذا بعض رفض التعديلات الدستورية؟ ..

شكلت لجنة دستورية من بعض فقهاء مصر الدستوريين، للنظر فى تعديل الدستور عقب نجاح ثورة الشعب المصرى المباركة، وحدد لتلك اللجنة مواد الدستور (المعطل) المطلوب تعديلها وهى المواد 76 و77 و88 و93 و179 و189، وأغلب الظن أن اللجنة لم يصدر لها توجيه بتفاصيل التعدلات المطلوبة، أو بتفاصيل الهدف من تعديل كل مادة، وترك للجنة حسن البديهة فى استنباط التعديلات والأهداف المطلوب تحقيقها لصالح الشعب من تلك التعديلات باعتبار أنها لجنة متخصصة مكونة من جهابذة القانون الدستورى فى مصر.

لذلك اقترحت لجنة تعديل الدستور عدة اقتراحات غير مفيدة بالمرة للوفاء بالغرض الذى شكلت اللجنة من أجله، ولم تخرج التعديلات مستجيبة لمطالب الثورة المباركة، وكأن النظام الفاسد السابق مازال قائما وهو من كلف تلك اللجنة بإجراء تعديلات غير مفيدة للشعب فى الدستور الفاسد (المعطل)، ومبلغ توقعى من واقع وطبيعة التعديلات أن اللجنة كانت متأثرة تماما بما قبل الثورة عند دراسة التعديلات واقتراحها، لهذا هى لم تهتم بتحطيم الأصنام التى كانت قائمة قبل الثورة، وبتاريخ ٤ مارس ٢٠١١، أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة بياناً بتحديد يوم ١٩ مارس لإجراء الاستفتاء على هذه التعديلات.

ورغم اقتناعنا بأن التعديلات المحدودة التى اقترحتها اللجنة إنما أجريت بغرض تطبيقها لفترة محدودة (الفترة الانتقالية” حتى إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية وهى معدلة فقط بغرض ضمان الحرية الكاملة للشعب فى اختيار رئيس الدولة والمجالس التشريعية فى الفترة الانتقالية ثم يتم بعد ذلك تغيير الدستور أو تعديله أو كما يرى النظام الجديد الذى يختاره الشعب، ورغم أن إعادة النظر فى الدستور كانت أحد المطالب الأساسية للثورة، فإن النتائج التى توصلت إليها اللجنة واقترحتها جاءت 180 درجة عكس الأغراض وعكس تحقيق الأهداف فى ضمان حرية الشعب فى اختيار مجالسه التشريعية وانتخاب رئيسه الجديد، “وبافتراض حسن النية من الجميع”، فإننى أرى أنه للأسباب التالية تؤدى تلك التعديلات إلى تسليم مصر للعهد البائد بقواه التى مازالت موجودة بيننا، دعوة رئيسة السابق القابع فى شرم الشيخ يخطط لأعوانه ومملكته لعله يستطيع استرجاع المملكة التى فقدها وانتزعها منه أصحابها الحقيقيون وهم الشعب المصرى عن طريق الثورة المصرية ، وظنى يرجع للأسباب التالية:-

1- الإسراع بتحديد فترة قصيرة جدا قبل إجراء الاستفتاء على التعديلات المقترحة، “بالرغم من أنه لاتوجد دوافع حقيقية لذلك”، ويجب أن تتاح الفرصة الكافية لمختلف شرائح المجتمع لاستيعاب التعديلات ومداها، وما يمكن أن يكون لها من تأثير على مستقبل الحياة الدستورية قبل الاقتراع عليها.

فالشعب المصرى المعنى بهذا الدستور يضم فيما يضم مستويات مختلفة من الثقافات والمتعلمين الذين يمكنهم استيعاب تلك التعديلات، ومنهم من لا يعرف القراءة والكتابة، ومنهم من لا يهتم بالسياسة ومنهم من يهتم ولكنه يطلب وقتا لاستيعاب فهم تلك التعديلات حتى يمكنه التصويت عليها خاصة أنه صاحب المصلحة الأولى فيها، هذا بالإضافة إلى ضرورة إعطاء الشعب الفرصة الكافية للمناقشة والحوار، على أن تقوم وسائل الإعلام المختلفة من صحافة وإذاعة وتليفزيون لمناقشة هذه التعديلات من جميع الاتجاهات، وبهذا نجعل موافقة المواطنين أو رفضهم لتلك التعديلات مبنياً على معرفة كافية.

2- عرض تلك التعديلات باشتراط أنها حزمة واحدة متكاملة للرفض أو القبول، يعتبر مساومة غير عادلة للحصول على موافقة الشعب على نصوص قد لا يرضاها، وهذا النوع يسمى فى التجارة “تحميل” بمعنى تحميل سلع رديئة غير مرغوبة للمستهلم، على سلع جيدة عندما تتم عملية التخلص من السلع الرديئة بالبيع، وهو ضغط أدبى غير مقبول، ولا ندرى من هو المستفيد من تحويل المواد الفاسدة على المواد الجيدة؟؟.

3- أما مسألة 50% عمال و50% فلاحين، فهى سوف تعدل عندما يوضع الدستور الجديد بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة.

4- شرط عدم الزواج بأجنبية من أجل الترشح لرئاسة الجمهورية، هذا الشرط يقوم على افتراضات ليست صحيحة دائماً، فليس بالضرورة أن من كان متزوجا بأجنبية يكون ولاؤه لزوجته أو لدولة زوجته أكثر من ولائه لوطنه، إن مسألة الولا ء يجب أن تكون من الخطورة بحيث تخضع لمعايير أخرى غير الزواج من أجنبية أو مصرية، بل تخضع لدراسات وتحريات واختبارات وتاريخ الشخص نفسه، إن انتخاب رئيس الجمهورية يخضع لحكم الشعب واختياره بعد وضع جميع ظروف المرشح أمامه وتحديد أمور أخرى إنما يحجر على رأى الشعب فى انتخاب من يريده ولا سيما أنه بعد ثورة 25 يناير لم يعد الشعب قاصراً حتى تفرض عليها الوصاية فى الاختيار.

5- أما مزدوجو الجنسية، فإن الحد الأدنى الذى لا يمكن التساهل فيه هو أن شاغل هذا المنصب، أو حتى المرشح له، لاينبغى أن تكون له جنسية غير الجنسية المصرية.
والأمر الأكثر أهمية هو أن توضع نماذج جديدة تلزم المرشح بإعطاء بيانات كافية عنه وعن عائلته وعن علاقاته وأمواله، بحيث يكون للناخبين حق تقدير مدى خطورة مثل هذه الأوضاع على قدرته على ممارسة صلاحياته بما يتفق مع المصلحة العامة. وعند توافر جميع المعلومات، فإن الناخبين هم الحكم النهائى والصادق، وأن تعقد مناظرات بين أكثر من مرشح ويقوم الشعب نفسه بمناقشة المرشح إذا أراد الشعب.

والأمر الأخير، هو موضوع الثورة المضادة، فلا نعلم كيف نترك مثيرى الثورة المضادة فى مراكزهم الوظيفة والتجارية، فالتباطؤ فى استدعاء رجال النظام السابق أذناب الفساد فى مواقع يؤدى بالضرورة إلى قيام ثورة مضادة قوية وقودها أموال المستثمرين الفاسدن وبلطجية أمن الدولة، والسؤال لمصلحة من نترك أذناب النظام الفاسد بيننا ونسأل عن أسباب الثورة المضادة، كما أن التباطؤ فى استدعاء أموال الشعب المهربة إلى خارج البلاد يمكن المجرمين من التخلص من آثار تتبعها.

انظروا إلى الصف الثانى فى الوزارات المختلفة وفى مؤسسات المجتمع المدنى، فى الاتحادات والجمعيات النوعية وخلافه، إن كل وزير فاسد سابق أسس لنفسه قلعة من أصحاب المصالح المشبوهة تابعة لوزارته، ابحثوا خلف الجميع، وستعلمون من هم مثيرو مشاكل الثورة المضادة.

إذا جرى الاستفتاء على تعديلات الدستور المعروضة حاليا، يوم 19 كما هو محدد سلفاً، وتتم الانتخابات التشريعية بعده قبل الرئاسية، فهذا يعنى أن الثورة المضادة أيضاً، تكمن فى كل من يؤيد هذا، لأنه ببساطة شديدة سينجح فى الانتخابات التشريعية إما الحزب الوطنى فقط أو الإخوان المسلكين فقط أو الاثنان معا ويضيع شعب مصر وشباب مصر، ونقول على الثورة السلام لأن من ينجحون سيعيدون النظام القديم لأنهم

Advertisements
Post a comment or leave a trackback: Trackback URL.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: